محمد بن عبد المنعم الحميري

248

الروض المعطار في خبر الأقطار

فلم نر يوماً كان أكثر مقعصاً * يمج دماً من فائظ وكليم وضاربة خداً كريماً على فتى * أغر نجيب الأمهات كريم أصيب بدولاب ولم تك موطناً * له أرض دولاب ودير حميم فلو شهدتنا يوم ذاك وخيلنا * تبيح من الكفار كل حريم رأت فتية باعوا الإله نفوسهم * بجنات عدن عنده ونعيم ولما أوقع الخوارج بدولاب بأهل البصرة هالهم ذلك وراعهم ، ثم بلغهم أن الخوارج متوجهون نحو البصرة ففزعوا إلى الأحنف بن قيس ، وقدم المهلب بن أبي صفرة خلال ذلك ومعه عهده بولاية خراسان من قبل عبد الله بن الزبير ، فقال الأحنف : ما أرى لهذا الأمر إلا المهلب ، وأجمع على ذلك الناس وامتنع المهلب من ذلك ، فكتب على لسان ابن الزبير إلى المهلب إن الأزارقة المارقة قد أصابوا جنداً للمسلمين كان عددهم كثيراً وأشرافهم كثيراً ، وقد كنت وجهتك إلى خراسان ، وقد رأيت لما ذكر أمر هؤلاء الخوارج أن تكون أنت على قتالهم ، ورجوت أن تكون ميموناً مباركاً على أهل مصرك ، والأجر في ذلك أفضل من المسير إلى خراسان ، فسر إليهم راشداً ، فقاتل عدو الله وعدوك ودافع عن حقوقك وحقوق أهل مصرك ، فإنه لن يفوتك من سلطاننا خراسان ولا غير خراسان إن شاء الله . فانتخب من الناس اثني عشر ألفاً ثم تتام له زهاء عشرين ألفاً ، ثم مضى يؤم سوق الأهواز ، ثم خندق عليه ووضع المسالح وأذكى العين وأقام الأحراس ، ولم يزل الجند على مصافهم والناس على راياتهم وأخماسهم ، وأبواب الخنادق عليها رجال موكلون بها ، فكانت الخوارج إذا أرادوا بيات المهلب وجدوا أمراً محكماً ، فلم يقابلهم قط إنسان كان أشد عليهم ولا أغيظ لقلوبهم منه ، والتقى الناس فاقتتلوا كأشد القتال ، فصبر بعضهم لبعض عامة النهار ، ثم إن الخوارج شدت على الناس في جمعها شدة منكرة فأجفل الناس وانصاعوا منهزمين لا تلوي أم على ولد حتى بلغت البصرة هزيمة الناس ، فنادى مناد أن قتل المهلب ، ونعي بالبصرة ، فنسي الناس رجالهم وأقام أهل كل دار يبكون المهلب لا يسألون عن أحد ، وضرب المهلب يومئذ على جبهته ، ولم يبق يومئذ أحد من ولده إلا جرح ، وأسرع المهلب حتى سبقهم إلى مكان يفاع في جانب عن سنن المهزومين ، ثم إنه نادى الناس : إلي عباد الله ، فثاب إليه جماعة من قومه من أهل عمان ، فاجتمع إليه منهم نحو ثلاثة آلاف ، فلما نظرهم رضي جماعتهم ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإن الله تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون وينزل النصر على الجمع القليل فيظهرون ، ولعمري ما بكم الآن قلة ، إني بجميعكم لراض ، وإنكم لأنتم أهل الصبر وفرسان المصر ، وما أحب أن أحداً ممن انهزم معكم ، لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ، عزمت على كل واحد منكم لما أخذ عشرة أحجار معه أو ما استطاع ، ثم امشوا بنا نحو عسكرهم فإنهم الآن من ذلك آمنون وقد خرجت خيلهم في طلب إخوانكم ، والله إني لأرجو ألا ترجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم وتقتلوا أميرهم ، ففعلوا ، ثم أقبل زحفاً فلا والله ما شعرت الخوارج إلا والمهلب يضاربهم بالمسلمين في جانب عسكرهم ، ثم استقبلوا عبيد الله بن الماحوز وأصحابه وعليهم الدروع والسلاح كاملاً ، فأخذ الرجل من أصحاب المهلب يستقبل الرجل منهم فيستعرض وجهه بالحجارة فيرميه حتى يثخنه ثم يطعنه بعد ذلك برمحه أو يضربه بسيفه ، فلم يقاتلهم إلا ساعة حتى قتل عبيد الله بن الماحوز وأخوه عثمان وضرب الله وجوه أصحابه ، وأخذوا عسكر القوم وما فيه ، وقتل الأزارقة قتلاً ذريعاً ، وأقبل من كان من الأزارقة في طلب المنهزمين من أهل البصرة راجعين وقد وضع لهم المهلب خيلاً ورجالة في الطريق تختطفهم وتقتلهم فانكفأوا راجعين مفلولين ، فلما أصبح المهلب غدا على القتلى فأصابوا ابن الماحوز مقتولاً ، وقال رجل من موالي المهلب : لقد صرعت يومئذ بحجر واحد ثلاثة ، رميت به رجلاً فأصبت أصل أذنه فصرعته ثم أخذت الحجر فضربت به آخر على هامته فصرعته ، ثم ضربت آخر ثالثاً ، وقال رجل من الخوارج : أتانا بأحجار ليقتلنا بها * وهل يقتل الأبطال ويحك بالحجر ودعا المهلب الرقاد بن عبد وسعيد بن زيد الجهضمي فقال : أمعنا في الأرض فمن لقيتما من الناس فأعلماه حياتي ، وامضيا إلى البصرة